رمز الخبر: ۱۶۳۷
ثورة النبي محمد (ص)؛
ألقى الإمام السيد موسى الصدر محاضرة على كوادر حركة أمل تناول فيها ثورة النبي الأكرم (ص) وكيفية توظيف التجارب الناجحة المستفادة منها في حياة أمتنا الاسلامية.
عدد من التعليقات: ۱۳۵
تأريخ النشر: 07 December 2017

 ألقى الإمام السيد موسى الصدر محاضرة على كوادر حركة أمل تناول فيها ثورة النبي الأكرم (ص) وكيفية توظيف التجارب الناجحة المستفادة منها في حياة أمتنا الاسلامية.

وفيما يلي مقتطفات من المحاضرة:

.... في بحثنا اليوم، أرغب، ووجدت أنه من المناسب أن نعود إلى التراث، ونستفيد من تجربة ناجحة في حياة أمتنا. لعلها كانت أنجح تجربة في حياة هذه الأمة؛ تجربة الإسلام. يعني إذا درسنا واكتشفنا من خلال بداية الإسلام، كيف أن هذه الثورة نجحت، طبعًا نستفيد في عملنا الحالي.

نحن نعرف، أن الإسلام إذا سميناه ثورة، فقد أعطيناه ذرة صغيرة من حقه، لأن ما عرضه الإسلام من الأنظمة الاجتماعية، والإقتصادية، والسياسية، والتقاليد، والعادات، والأفكار، والأيديولوجيات؛ كانت تختلف عن الأفكار، والأنظمة، والأحوال السائدة قبل الإسلام اختلافًا جذريًا. أين كان الإنسان العربي قبل الإسلام؟ وبماذا دعاه الإسلام؟ نجد أن الفرق شاسع بين المجتمع الذي كان قد عاشه الإنسان قبل الإسلام، والذي يسميه الإسلام بالجاهلية وبين مجتمع الإسلام.

أساسًا، إذا قلنا ثورة، ذكرنا بعض حقه، أكثر من ثورة، ثورة لا في الوضع الإجتماعي، والوضع السياسي، بل ثورة في النفوس، وثورة في الرؤية الكونية حتى. وهذا الأمر الذي يتبين في كثير من الأبحاث. هذه الثورة التي تحاول أن تغير جميع معالم الحياة لدى الإنسان، نجحت؛ وبوقت قليل نجحت. فلندرس أساليب هذه الثورة لعلها تكون ذخرًا وتجربة لنا.

في الواقع، أنا أحاول اليوم أن أقف عند الخطوة الأولى من هذه التجربة. الخطوة الأولى عندما بدأ الرسول بالدعوة، الدعوة العلنية. كما تعرفون، الإسلام بدأ كدعوة سرية؛ خلال ثلاث سنوات آمن بالإسلام خمسون شخصًا. الرسول عليه الصلاة والسلام كان يختار عناصر، ويربيهم في صلاة خاصة. بعدها كُلِف بـ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[الشعراء، 214]. فجمع آل عبد المطلب، ودعاهم إلى الإسلام، والتزم بأن أول من يسلم سيكون خليفته، فلم يبقَ إلا علي بن أبي طالب في الجلسة. ثم كلف بدعوة الناس جميعًا. فذهب -كما تعرفون في التاريخ- صعد إلى جبل الصفا قرب الكعبة. وأعطى شعارات وا صباحاه وأمثال ذلك، الشعارات التي كانت تستعمل عند العرب في جمع الناس وقال: إذا أبلغتكم أن هناك خيلًا قادمة، وراء هذا الجبل. هل تصدقونني؟ قالوا: طبعًا، إنك الصادق الأمين.

قال: أنا أحب أن أخبركم، بأن مجتمعكم، حياتكم، مستقبلكم، كلها مهددة بالنار، بالانهيار، بالفناء. وبدأ يبشر، ثم لخص تبشيره ودعوته، بهذه الكلمة، قولوا "لا إله إلا الله تفلحوا". طبعًا، رد فعل قريش معروف، ولسنا بصدد البحث التاريخي. ولكن نقف عند هذه النقطة، أنه الرسول عليه الصلاة والسلام، بثورته، بدعوته إلى المجتمع الجديد، والفكر الجديد، والفلسفة الجديدة، والإيديولوجية الجديدة، الرسول دعا إلى الجديد وجعل الخطوة الأولى "لا إله إلا الله تفلحوا".

طبعًا، قولوا، لا يعني احكوا، حركوا لسانكم. القول، هو الالتزام: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت، 33]، أو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف، 13]. القول، لا يعني الحكي؛ القول، يعني الالتزام. قولوا "لا إله إلا الله" يعني التزموا. هذه الكلمة أو هذه الخطوة الأساس، الحجر الأساس في تاريخ الدعوة الإسلامية، في تاريخ بناء هذه التجربة الناجحة، أو أنجح تجربة في حياتنا.

الخطوة الأولى في الواقع، هي "لا إله إلا الله". "لا إله إلا الله"، مؤلفة من جزأين. جزء سلبي، وجزء إيجابي. الجزء السلبي "لا إله"، والجزء الإيجابي "إلا الله". الجزء السلبي، يعني نفي الآلهة. والجزء الإيجابي، الدعوة إلى الله الواحد. ماذا يريد الرسول أن يقوله بنفي الآلهة والإيمان بالله؟ ولماذا؟ هل ثورة محمدص تعتمد على نفي الآلهة والإيمان بالله؟

أرجو الإنتباه، مشكلة الشعارات، والأفكار التي أخذناها منذ الطفولة أننا ما فهمناها. مشكلة المسلمين التقليديين، وكلنا مسلمون تقليديون، والحمد لله؛ لكن علينا أن نفهم من جديد إسلامنا أنه فتح أعيننا. شاهدنا الناس يصلون أمامنا، يصومون أمامنا، يحجون، يقولون: "لا إله إلا الله"، يقرأون القرآن، في الطفولة فهمنا من هذه المظاهر، الشيء الشكلي فقط، تكرس عندنا، كبرنا ما فهمنا، بعضهم كانوا طيبين ظلوا مؤمنين، وبعضهم لا، فرفضوا.

المشكلة أن "لا إله إلا الله" يجب أن تُفهم كما يجب. مدى تأثير "لا إله إلا الله" على ثورة محمدص؟ لماذا "لا إله إلا الله" تؤدي إلى الفلاح؟ هذا له سبب واضح.

أولًا، هذه الثورة في الدرجة الأولى تعتمد على الإنسان. تريد الإنسان... الإنسان الشريف، الإنسان الكبير، الإنسان الذي يحترم نفسه، الإنسان الذي يفكر في مصيره، الإنسان الذي يحترم ما يقول، ويحترم ما يسمع، ويحترم ما يحرك، ويحترم ما يشاهد، يحترم كل شيء. أما الإنسان الذي لا يحترم نفسه، يعتبر نفسه موجودًا، ظاهرة من هذه الظواهر الكونية؛ كمية مهملة من هذه الموجودات، غير مهم! ما كانت مشكلة الجاهلية؟ مشكلة مجتمع ما قبل محمدص؟ عبادة الأصنام. عبادة الأصنام ماذا تعني؟

عبادة الأصنام يعني الإنسان الكبير جعل نفسه صغيرًا صغيرًا، حتى إنحنى أمام ثعبان، أو حجارة، أو خشبة، أو قطعة من العجين الجاف. أليس كذلك العبد؟ ماذا كان يُعبد؟ هبل، لات، منات، عزى، يغوث، يعوق، ود، نسر. آلهة قريش ما هي؟ خشب، ذهب، فضة، صخرة، عجين جاف، تماثيل، حيوانات.

الإنسان الذي يعبد هذه الأشياء ماذا يعني؟ يعني هو أصغر من هذه الأشياء، لأنه يركع أمامها، ينحني أمامها. إذًا، الإنسان الجاهلي، الذي كان يركع أمام الأصنام، الإسلام يريد أن يقول: لا! لا! لماذا أنت تقلل من قيمتك؟ لماذا تقصر حدك؟ ولماذا تخفف طموحك؟ لماذا تحد من عظمتك؟ ولماذا اخترت الموجودات؟ ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء، 52].

إذًا، على صعيد العبادة، عبادة غير الله تقليل لقيمة الإنسان، وشأن الإنسان، وكرامة الإنسان ليس فقط الآلهة الذين كانت قريش تعبدها، كل الآلهة. الخضوع أمام إله الشمس، والقمر، والنجوم؛ حتى النجوم التي حجمها مئات الملايين أضعاف الأرض؛ الجبال، والبحار، والعواصف، كلها لا تستحق أن يركع الإنسأن امامها، الإنسان أكبر. آلهة اليونان أفروديت... إله الجمال، إله الحرب، إله السلام، إله القحط، إله المرأة، وغيرها، مرفوضة كلها.

إذًا، على صعيد العبادة، "لا إله" نفي معبود وبالتالي رفع شأن الإنسان إلى درجة يقولها الإسلام أنه لا يوجد تحت السماء، وبين السماء، وفوق السماء، لا يوجد شيء مادي يستحق أنت أيها الإنسان أن تركع أمامه أبدًا. أنت أكبر من كل الوجود. إذًا، ثورة محمدص في الدرجة الأولى تحتاج إنسانًا يرى ما أمامه، وأمامه هذه الأقزام، هؤلاء المساكين، الذين وضعوا حدًا لنفسهم، وحجمًا لنفسهم، كل واحد أخذ جماعة من البشر ويركعون ويركعون، لا يصح.

ثم هذه الآلهة هي موجودات، ترمز إلى موجودات فاسدة. ماذا تعني الآلهة التي كانوا يعبدونها؟ أنتم تعرفون أن هناك آلهة ترمز إلى البغاء، و هناك آلهة ترمز إلى الحرب. هناك آلهة ترمز إلى القحط، وهناك آلهة ترمز إلى مسائل كثيرة. عندما يركع الإنسان أمام أفروديت، بطبيعة الحال سيكون فاسدًا، لأن المعبود الذي أنا أعبده منحرف، فاسد، عاصٍ، آثم لله. كيف يمكن أنا أعبده؟ طبعًا، طالما هو ربي، مَثلي يجب أنا أكون مثله، لا يريد إسلامًا، يريد إنسانًا طائشًا.

إذًا، للعبادة لا يوجد إله، هذا على صعيد العبادة ينعكس في تقييم الإنسان، إعطاء الحجم للإنسان، إعطاء الخط، إعطاء الطموح للإنسان. ومن جهة أخرى "لا إله"، بمعنى الإطاعة، بمعنى أن لا يكون قدس الأقداس عند الإنسان... القرآن في آيات أخرى يحدد معنى الإله عندما يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية، 23]. إلهه هواه. هل يمكن أن الإنسان يعبد ذاته، ويصلي لذاته؟ طبعًا لا. ما يعني من اتخذ إلهه هواه؟

يعني الإنسان الذي يتحرك بدافع من ذاته، قدس الأقداس عنده، مصدر جميع الحركات عنده أنانيته. هذا الإنسان منحرف، هذا إله. عندما ننظر إلى المجتمع، نرى أن هناك بشرًا يعبدون العائلة. هناك بشر يعبدون المال. هناك بشر يعبدون الجاه. أليس كذلك؟ هذا الإنسان الذي لا يزال -دعونا نتكلم بالشيء الموجود بيننا- يُقتل من عشيرتي شخص، أنا أعتبر أن كرامة عشيرتي تعرضت للجرح، أروح أنتقم من البريء. أقتل شخصًا من عشيرة القاتل، لا علاقة له بالقصة. هذا ماذا يعني؟ يعني أنا أدخل النار، يعني أنا أرتكب الباطل والظلم. إذًا، أعرّض نفسي للموت من خلال السجن. ماذا يعني؟ يعني أنا أفني حياتي ومماتي، دنياي وآخرتي، معنوياتي ومادياتي، أفني جميعها في سبيل كيان موهوم اسمه العائلة. هنا عبدت العائلة، قدس الأقداس عندي عائلتي. أليس كذلك؟

هناك ناس يعبدون الجاه، يرتكبون الحرام، يموتون في سبيل المقام والشأن والجاه. الإمام الحسين في كربلاء عندما يقول: الموت أولى من ركوب العار، والعار أولى من دخول النار. الشخص الذي يضحي بكل غالٍ ورخيص في سبيل المجد، يعني مادته، ومعناه، وحياته، وموته، دنياه وآخرته يضحي بها جميعًا حتى يحصد مجدًا. هذا يعبد المجد. وهناك ناس يعبدون ذاتهم. هذه في المنطق القرآني آلهة، آلهة مرفوضة، هؤلاء غير معبودين. أنت إذا أردت أن تتحرك، لا تتحرك بدافع من الذات، أو بدافع من المال، أو بدافع من العشيرة، أو بدافع من الجاه، تحرك بدافع من الله. القيم، كما سنقول، تجسيد الله، رضا الله، خط الله؛ هذا هو.

إذًا، لا تخضع لعشيرتك، ولا لمالك، ولا لجاهك. أكثر من ذلك، لا تخضع لآلهة الأرض. من هم آلهة الأرض؟ الطغاة الظالمون؛ أولئك الذين لهم أزلام. أزلام، ماذا يعني؟ يعبدون الزعيم من دون الله، يرضونه فيغضبون الله، يموتون لكي يحيوه، يضحون بأنفسهم لكي يرفعون شأنه... أليس آلهة قدس الأقداس. أليس هناك أناس يقتلون، يقتلون حتى ينفذوا هدفًا سياسيًا لزعيم سياسي في الانتخابات وبغير الانتخابات. لماذا؟ حتى يسلم رأس الرئيس والزعيم، حسنًا، أنت ماذا تقدم لهذا السبيل؟ تقدم دنياك وآخرتك، تقدم موتك وحياتك. هذا معناه أو بتعبير آخر: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام، 162]. هذا هو المطلوب. أما إذا كانت صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للجاه، حتى يقول الناس، واللهِ فلان يصلي كويس، رجل متعبد، رجل تقي، رجل ديّن؛ هذا عبادة الناس، عبادة الجاه، هذا كله مرفوض. عبادة الذات أيضًا مرفوضة. لماذا كل هذه العملية؟ لأن الثورة هذه كما ذكرنا، تحتاج طاقات وتحتاج قوة و تحتاج خطًا و تحتاج هدفًا. عندما يكون الإنسان يعبد نفسه، أو يعبد جاهًا، أو يعبد قبيلته، ممزق لا يتمكن أن يتغلب على صعابه، على مشاكله.

عندما نفاه، ربطه بعبادة الله، يرفع شأنه، كرامته، مقامه، وأيضًا يحدد خطه، هدفه، طموحه. إذًا، "لا اله" لا شيء للعبادة أبدًا، لا شيء يكون مصدر حاجتي، وخدماتي، وحياتي. مرفوضة كل هذه المسائل. عندما نفينا هذه الأشياء، ترى الإنسان كبيرًا، ترى الإنسان شريفًا، ترى الإنسان طامحًا إلى اللانهاية. تراه متحررًا من هذه الحلقات الجهنمية التي تحيط بالإنسان، وتجمّد الإنسان، وتحبس الإنسان في مراحل مختلفة.

"لا إله إلا الله"، ما هو الله؟ وما هو تأثيره؟ كلمة تقال؟ لكن نحن لا نريد أن نعتمد على هذه الكلمة ونكتفي بها؟ الله، الإيمان بالله؛ مصدر تحول ذات الفرد في صورة المجتمع، في العلاقات القائمة بين الإنسان وأخيه الإنسان. الله كرامة، حد للإنسان لا محدود، طموح وهدف وقوة. طبعًا، البحث عن الله، وتأثير الله على بناء الفرد، وبناء المجتمع، يستحق بحثًا آخر. ....

 

تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات- بیروت

.www.imamsadr.net

الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
مقابلات